في لحظة تاريخية حبست أنفاس المستثمرين حول العالم، سجلت أسعار المعدن الأصفر قفزة غير مسبوقة، متجاوزةً حاجز الـ 4600 دولار للأونصة للمرة الأولى في التاريخ. ولم تكن الفضة بمنأى عن هذا الهياج السعري، إذ اقتربت هي الأخرى من عتبة الـ 85 دولاراً، وسط مناخ عالمي مشحون بالتوترات الجيوسياسية والضغوط القانونية التي طالت أعلى هرم السلطة النقدية في الولايات المتحدة. المحرك الرئيسي لهذا الارتفاع الجنوني لم يكن اقتصادياً بحتًا، بل جاء مدفوعاً بتطورات دراماتيكية في الداخل الأمريكي. فقد أحدث تهديد وزارة العدل الأمريكية بتوجيه اتهام جنائي لمجلس الاحتياطي الفيدرالي صدمة في الأسواق، مما أثار مخاوف جدية حول استقلالية البنك المركزي. وفي تعليق يحمل نبرة الدفاع والمواجهة، صرح جيروم باول، رئيس الفيدرالي، بأن هذا الاتهام الجنائي المحتمل يجب أن يُقرأ ضمن سياق أوسع، وهو اثر التهديدات والضغوط المستمرة من الإدارة للتأثير على قرارات أسعار الفائدة. هذا الصدام المباشر يضع مصداقية النظام المالي الأميركي على المحك، ويطرح تساؤلاً هل تحول "لفيدرالي من جهة تنظيمية مستقلة إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية؟ ولم تكن الضغوط القانونية وحدها هي السبب، بل ساهمت عوامل أخرى في رسم هذا المشهد القاتم للدولار والمشرق للذهب، فإرث ترامب شكلت الانتقادات الحادة والمتكررة التي شنتها إدارة ترامب العام الماضي ضد الفيدرالي عاملاً رئيسياً في إضعاف الثقة بالدولار، مما دفع المستثمرين للهروب نحو الأصول الآمنة. كما أن الاضطرابات الإقليمية، في الجهة المقابلة من العالم، ساهمت الاحتجاجات المشتعلة في إيران في زيادة الطلب العالمي على الذهب، باعتباره الملاذ الوحيد الموثوق في ظل عدم الاستقرار الإقليمي فوصول الذهب إلى 4600 دولار ليس مجرد رقم، بل هو إعلان عن أزمة ثقة عالمية. فعندما تُهدد وزارة العدل البنك المركزي جنائياً، تتبدد هالة الاستقلالية التي لطالما كانت الركيزة الأساسية لاستقرار الدولار. نحن أمام مشهد يُعاد فيه تعريف الاقتصاد تحت سطوة السياسة، حيث بات الذهب هو صوت الاحتجاج الصامت ضد تسييس المؤسسات المالية الكبرى.